الشيخ المفيد
10
الإرشاد
فترة تعد من أبرز الفترات التأريخية وأدقها ، حيث انسحب ظل الدولة العباسية عن معظم بقاع الوطن الاسلامي ، ولم يبق للخليفة العباسي آنذاك إلا بغداد وأعمالها ، والتي كانت للبويهيين السيطرة التامة عليها ، حيث فسحوا المجال أمام الحريات المذهبية والمقالات الدينية فاحتدم الصراع الفكري بين رجال المذاهب بشكل ليس له مثيل ، حيث كان على أشده بين الأشاعرة والمعتزلة ، وكان لكل منهم زعماء كلاميون وعلماء مفكرون ، وكانت الشيعة تؤلف القوة الثالثة التي يتزعمها الشيخ المفيد رحمه الله ، والذي استطاع - ومن خلال براعته في صناعة الكلام ، وقوة حجيته ، وقدرته الكبيرة على الإحاطة بالكثير من العلوم المختلفة - أن يفند ويضعف آراء الفريقين ، ويثبت بطلانها . كما إن الشيخ رحمه الله يعد من أوائل الذين لم يتوقفوا على حرفية النصوص والأحاديث ، بل بالاعتماد على منطق الفكر المجرد والحر المبتني على عقائد رصينة وقوية ، ويشير إلى ذلك بوضوح قوله في شرحه لعقائد الصدوق رحمه الله في باب النفوس والأرواح : " لكن أصحابنا المتعلقين بالأخبار أصحاب سلامة ، وبعد ذهن ، وقلة فطنة ، يمرون على وجوههم فيما يسمعون من الأحاديث ، ولا ينظرون في سندها ، ولا يفرقون بين حقها وباطلها ، ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها ولا يحصلون معاني ما يطلقون منها " . ومن هنا فلا يسع المرء وهو يتأمل ويطالع صفحات كتاب الارشاد للشيخ المفيد رحمه الله إلا أن ترتسم في مخيلته جوانب من الابعاد الرائعة لذهنية مؤلفه ، وجهده في إخراج صورة تمثل البناء الأساسي الرصين لما يسمى بعلم التاريخ ، رحم الله الشيخ المفيد ، وأسكنه في فسيح جنانه .